Al Idari Magazine
 
 
   
   









 
   
الغلاف
    
مرتبطان بوضع اقتصادي سيئ
الركود والكساد.. كيف ولماذا ؟
    

لا يوجد تعريف موحد للركود أو الكساد.. لكن هناك اعتقاداً معاصراً مقبولاً مفاده أن الكساد هو مجرد ركود حاد طويل الأجل، ينخفض خلاله الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من 10% أو ينكمش خلاله الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي مدة قد تصل إلى ثلاث أو أربع سنوات.. ولكن، توجد هناك الكثير المعتقدات الخاطئة المحيطة بموضوعي الكساد والركود، ومن أجل فهم أفضل سيتم التعرض لهذين المصطلحين ودلالتيهما.

الركود والكساد مرتبطان دائماً بوضع اقتصادي سيئ، وبيئة صعبة للأعمال وتراجع في المداخيل وزيادة في أعداد العاطلين، فضلا عن حالة من عدم اليقين والخوف تنتاب المستهلكين وغيرها من الآثار السلبية التي تصاحبهما والتي قد تظل باقية لفترات مطولة نسبياً في بعض الأحيان.. لكن مفهوم كل منهما قد يتداخل مع الآخر ويسبب إرباكاً للمتابع للشأن الاقتصادي، فيما تحاول السطور التالية وضع وصف مبسط مع تعريف لكل منهما.
الركود
- ما هو الركود؟ هناك تعريفان مشهوران للركود، أحدهما يُعرفه بأنه ربعان متتاليان من النمو الاقتصادي السلبي.. والثاني (وفقاً للمكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية) يصف الركود بأنه تراجع كبير في النشاط الاقتصادي الوطني يستمر لأشهر، ويعتقد العديد من الاقتصاديين أن الركود هو جزء طبيعي من الدورة الاقتصادية التي تشهد ارتفاعات وانخفاضات.
- كيف يحدث: يعتمد نمو أي اقتصاد على التوازن بين إنتاج واستهلاك السلع والخدمات، وكلما نما الاقتصاد يرتفع بالتبعية حجم الدخل والإنفاق الاستهلاكي، ولكن لأن العالم ليس مثالياً، في مرحلة ما يبدأ النمو الاقتصادي في التباطؤ، وقد يكون هذا التراجع ناجماً عن عامل بسيط مثل زيادة المعروض، بمعنى أن المصنعين ينتجون بمعدلات تفوق حجم المطلوب.. وعندما يحدث ذلك، ينخفض الطلب على تلك السلع، وهو ما يؤدي إلى تباطؤ الأرباح وانخفاض الدخل وتراجع أسواق الأسهم.
- أمثلة تاريخية: منذ منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر، مرت الولايات المتحدة بـ32 فترة ركود، وفقاً لبيانات المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية، وتباين طول معظمها، ولكن متوسط الركود خلال تلك الفترات اقترب من 10 أشهر.. واستمرت أقصر فترة ركود لمدة 6 أشهر (من يناير/كانون الثاني عام 1980 إلى يوليو/تموز من نفس العام) بينما استمرت أطول فترتي ركود لمدة اقتربت من 16 شهراً ( من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1973 إلى مارس/آذار 1975 ثم من يوليو/تموز 1981 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1982).
الكساد
- ما هو الكساد؟ هو ببساطة عبارة عن كارثة اقتصادية حادة ينخفض خلالها الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة لا تقل عن 10%، والكساد أشد بكثير من الركود، وآثاره من الممكن أن تستمر لسنوات، وهو في الحقيقة يكون بمثابة الكابوس بالنسبة للأعمال التجارية والمصرفية وأنشطة التصنيع.
- كيف يحدث: يحدث الكساد عندما تجتمع عدة عوامل مع بعضها البعض في نفس الوقت،هذه العوامل تشمل الإفراط في الإنتاج وانخفاض الطلب، وهو ما يخلق حالة من الخوف يعززها ويوسع رقعتها ذعر المستثمرين والشركات، وتؤدي تخمة المعروض والخوف الذي يعاني منه المستثمرون إلى تراجع الإنفاق لدى الشركات بشكل حاد، ليبدأ الاقتصاد في التباطؤ وترتفع البطالة وتقل الأجور وتتآكل القوة الشرائية للمستهلكين.
- أمثلة تاريخية: وفقاً للتعريف المذكور أعلاه هناك الكثير من الحالات التي يمكن اعتبارها حالات كساد، مثل: انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الإندونيسي خلال عام 1998 بنسبة 18%، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي لتايلاند بنسبة 15% خلال العامين المنتهيين في الربع الأول من عام 1998.
وينطبق الأمر أيضاً على ماليزيا حين انخفض ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 11% في العام المنتهي في ديسمبر/كانون الأول عام 1998، وفنلندا التي انكمش اقتصادها بنسبة 10.6% في الفترة ما بين عامي 1990 و1993، والذي يرجع إلى سقوط شريكها التجاري الرئيسي في ذلك الوقت الاتحاد السوفييتي.
آثار الركود والكساد
على الرغم من تعداد العديد من الدراسات للجوانب السلبية المصاحبة للركود والكساد، إلا أنه يوجد أيضا بعض الآثار الإيجابية.
الجانب السلبي
- يعد ارتفاع معدل البطالة من الآثار الكلاسيكية المصاحبة للركود والكساد على حد سواء، لكن حدة ارتفاعها ربما لا تتجاوز 10% إلى 11% أثناء الركود، بينما تقفز لأكثر من ذلك أثناء الكساد، أو بمعنى أدق يختلف نمط تحركها خلاله، حيث كانت عند 3% عند بدء الكساد العظيم في الولايات المتحدة عام 1929 على سبيل المثال إلى أن بلغت 25% عام 1933.
- انخفاض قيمة الأصول التي تتزامن مع تراجع الأسهم ومن ثم تتراجع القيم السوقية للشركات والاستثمارات، وهو ما يطال العقارات أيضا ومن ثم الثروات نتيجة تباطؤ الاقتصاد ومن ثم تراجع الأرباح وانعكاس ذلك على عمليات التقييم.
- انخفاض الناتج المحلي الإجمالي: وهي نتيجة حتمية لضعف الاقتصاد ومن ثم قطاعاته المختلفة نتيجة اختلال ميزان العرض والطلب وانعكاس ذلك على المحصلة النهائية على الدولة.
- تأجيل الاستثمارات: أو حتى إلغائها نتيجة القلق من عدم جدوى ضخ أموال في مشروعات لن تدر ربحاً أو سيكون مردودها منعدماً، وهو الأمر الذي يزيد الوضع سوءاً مع زيادة أعداد العاطلين وتراجع الإنفاق.
الجانب الإيجابي
- توازن النمو الاقتصادي: على الرغم من إضعاف الركود والكساد للاقتصاد، إلا أنهما قد يساعدان في دعم توازنه إذا نما بمعدل متسارع لفترة مطولة، حيث يصاحب ذلك تضخم حاد، فمع حدوث الكساد أو الركود تنخفض الأجور ومن ثم تتراجع الأسعار استجابة لضعف الطلب ويهبط التضخم ويكون تحت السيطرة بعيداً عن الإفراط.
- فرص نادرة للاستثمار: هناك قاعدة معروفة تماماً ففي أوقات الأزمات تصنع الثروات، حيث توفر الظروف الاقتصادية الصعبة فرصاً جيدة للشراء في فئات عديدة من الأصول وهو ما فعله "وارن بافيت" على سبيل المثال عام 2011 باستثمار 5 مليارات دولار في "بنك أوف أمريكا" بعد فقده نصف قيمته السوقية نتيجة الأزمة المالية .
- التخلص من الفائض: تسهم حالة التدهور الاقتصادي المصاحبة للركود والكساد في التخلص من المخزون والتخلص من الطاقة الإنتاجية الفائضة، والهبوط إلى مستويات أكثر طبيعية في التحرك، وهو ما يدفع الاقتصاد للتوسع في المدى الطويل على أساس نمو متصاعد للطلب دون عوائق.
- تعديل أنماط تحرك المستهلكين: حيث تسمح أوقات الأزمات الاقتصادية للمستهلكين بمراجعة مواقفهم الائتمانية والاستهلاكية، بجانب قسرهم على التجاوب مع الحياة بما لا يتجاوز إمكاناتهم المادية المتاحة بالفعل، فيما لا يكون متاحا سوى الدخل الموجود بالفعل، وهو ما قد يعني في النهاية رفع معدل الادخار وضخ الاستثمارات مرة أخرى في شرايين الاقتصاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كادر
الركود والكساد .. بين ريجان وكارتر
خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1980 وصف "رونالد ريجان" الانكماش الاقتصادي الذي عانت منه الولايات المتحدة في ذلك الوقت بأنه "كساد".. ليهاجمه منافسه الجالس في البيت الأبيض "جيمي كارتر" بسبب الاستخدام غير الدقيق - على حد وصفه - للمصطلح.. ليرد عليه "ريجان" وقتها بسخرية قائلاً "حسناً إذا كان ما يريده "كارتر" هو التعريف الدقيق للمصطلح، سأعطيه واحداً: الركود هو عندما يفقد جارك وظيفته.. أما الكساد هو عندما تفقد أنت وظيفتك، بينما الانتعاش هو عندما يفقد "كارتر" وظيفته".