Al Idari Magazine
 
 
   
   









 
   
اقتصاد
    
يسعى لتحفيز الاقتصاد ليكون متنوعاً وفاعلاً
برنامج تطوير القطاع المالي السعودي
خطوة متقدمة على طريق الازدهار
    

سيمون سمعان
اعتمدت السعودية برنامجاً لتطوير قطاعها المالي وهو المكون الرئيسي لرؤية 2030 الهادف إلى تنويع اقتصاد المملكة بعيداً عن النفط، ويسعى البرنامج إلى تطوير القطاع المالي ليكون قطاعاً متنوعاً وفاعلاً لدعم تنمية الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل وتحفيز الادخار والتمويل والاستثمار، كما يسعى إلى تمكين المؤسسات المالية من دعم نمو القطاع الخاص، وتطوير سوق مالية متقدمة، وقد أكد مستشارون ماليون أن اعتماد مجلس الشؤون الاقتصادية هذا البرنامج المالي بحلول 2020، لتوجيه القطاع المالي لتمويل قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، يسهم في التوسع والانتشار ومضاعفة شركات التمويل، ورفع القيود على بعض المؤسسات المالية، إضافة إلى سهولة ومرونة حصول القطاع الخاص على الدعم المالي.. فكيف سيتم تطبيقه، وكيف ينظر الاقتصاديون إلى نتائجه؟.

تتركز الأهداف الرئيسية لبرنامج تطوير القطاع المالي السعودي 2020، على زيادة إجمالي حجم الأصول المالية إلى الناتج المحلي الإجمالي لتكون بنسبة 201%، أو 6,3 تريليونات ريال (1,7 تريليون دولار)، بحلول العام 2020 ارتفاعاً من 192%، أو 4,7 تريليونات ريال في 2016.. ولتنويع هيكل قطاع الخدمات المالية، وإلى زيادة حصة أصول أسواق الرأسمال إلى 45% في 2020 من 41% في 2016.
ويهدف البرنامج أيضاً إلى زيادة الإقراض المصرفي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى 5% بحلول العام 2020 مقارنة مع 2% حالياً، والتمويل العقاري إلى 16% بحلول 2020 من 7% في 2016، كما يسعى إلى رفع نسبة الادخار لدى الأسر إلى 10% من إجمالي الدخل، واستثمار هذه المدخرات بطريقة آمنة، وتعليقاً على ذلك قال وزير المالية السعودي محمد الجدعان إن برنامج تطوير القطاع المالي سيسهم في مضاعفة حجم القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 280%.

تعزيز دور القطاع الخاص
أكد مستشارون ماليون أن طرق تمويل القطاع الخاص السعودي والمنشآت الصغيرة في المملكة، تتمثل في تحديث بعض الأنظمة والاشتراطات للمؤسسة المالية، وفتح المجال للمؤسسات الخارجية، مشيرين إلى ضعف دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة من قبل أصحاب المؤسسات المالية بسبب حجم المخاطرة، والضمانات.. وعزا المحلل الاقتصادي محمد العمران، توجّه المملكة لتمكين المؤسسات المالية، إلى الحاجة لتطوير القطاع المالي بما يتوافق مع أهداف رؤية 2030، والمعايير الدولية ودعم القطاع الخاص ليكون داعماً في نمو الاقتصاد الوطني، ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، بما يحقق مكاسب اقتصادية في دعم النمو وتوفير وظائف جديدة للشباب، وتحسين مستوى الخدمات ورفع كفاءة القطاع الحكومي والخاص.
وأضافوا أن طرق تمكين المؤسسات المالية من دعم القطاع الخاص تكمن في استحداث بعض الأنظمة والاشتراطات للمؤسسة المالية، وفتح المجال لدخول المؤسسات الخارجية، وأشاروا إلى أن سبب توجّه المملكة إلى تمكين المؤسسات المالية يعود إلى مشاركة القطاع الخاص للقطاع العام، وتمكين القطاع الخاص من الدعم الحكومي في المشاريع المتعثرة، أما الهدف من التمكين فهو التوسع والانتشار لبعض المؤسسات المالية، ورفع بعض القيود المالية عليها، إضافة إلى مرونة وسهولة الحصول على القروض.
ومعلوم أن توجيه القطاع المالي بدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة يسهم في نمو قطاع التمويل، وزيادة حجم الإقراض المقدم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى زيادة عدد الكوادر الوطنية، لا سيما أن المؤسسات المالية لم تقدّم الكثير للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بسبب حجم المخاطرة والضمان المقدم من قبل المنشآت.
زيادة التنوع المالي
يركز برنامج تطوير القطاع المالي 2020 في السعودية على تحقيق عدة أهداف، وبحسب ما تم إعلانه فإن هذا البرنامج لديه 5 أهداف كبيرة يسعى إلى تحقيقها، ولتنويع هيكل قطاع الخدمات المالية، يهدف البرنامج إلى زيادة حصة أصول أسواق الرأسمال إلى 45% في 2020 من 41% في 2016 ، ويهدف أيضاً الى زيادة الإقراض المصرفي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى 5 بالمئة بحلول 2020 من 2 بالمئة حاليا، والتمويل العقاري إلى 16% بحلول2020 من 7% في 2016 .
ويهدف البرنامج أيضاً إلى الحفاظ على الاستقرار المالي، وسيضمن ذلك استدامة القطاع بشكل عام على المدى الطويل، واستمرار تمكينه للقطاع المالي، ولتحقيق هذا الهدف، صمم البرنامج ليتوافق مع المعايير الدولية للاستقرار المالي، بما في ذلك متطلبات بنك التسويات الدولية والمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية، كما سيعمل على بناء قطاع متنوع وشامل يحفز الابتكار، ويوفر الاحتياجات التمويلية لمجموعة أوسع من الجهات الفاعلة الاقتصادية، ومن أجل هذا الهدف، سيفتح البرنامج باب القطاع أمام الجهات الفاعلة الناشئة في مجال التقنية المالية، ويزيل ما قد يعيق نمو شركات التمويل، ويتيح التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويزيد حجم الرهون العقارية، كما سيعزز البرنامج الوصول إلى التمويل وسيحسن المنتجات المعروضة لزيادة تلبية القطاعات الاقتصادية.
كما يساهم البرنامج في تطوير البنية التحتية الرقمية للوصول إلى مجتمع غير نقدي، وبناء على ذلك، سترتفع حصة العمليات غير النقدية، ما يوفر تجربة متميزة للعملاء ويحقق كفاءة تشغيلية أعلى، ويُتوقع أن يتحسن القطاع بشكل ملحوظ في تحقيق الشمولية المالية، وذلك عبر مجالين، إذ يهدف البرنامج إلى زيادة نسبة تمُّلك الحسابات المصرفية بين البالغين، وإلى إحداث تحول نحو تمويل الأصول الإنتاجية التمويلية، مثل إقراض المنشآت الصغيرة والمتوسطة والرهون العقارية، وبناء على ذلك، سترتفع حصة تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وحصة الرهون العقارية في التمويل المصرفي.
والمهم في البرنامج أن يعمل على بناء قطاع متنوع وشامل يحفز الابتكار، ويوفر الاحتياجات التمويلية لمجموعة أوسع من الجهات الفاعلة الاقتصادية، ومن أجل هذا الهدف، سيُفتح باب القطاع أمام الجهات الفاعلة الناشـئة في مجال التقنية المالية، ويزيل ما قد يعيق نمو شركات التمويل، ويتيح التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويزيد حجم الرهون العقارية، كما سيعزز البرنامج الوصول إلى التمويل وسيحسن المنتجات المعروضة لزيادة تلبية القطاعات الاقتصادية.
مبادرات عديدة وواعدة
لا بد من الإشارة أيضاً إلى أن برنامج تطوير القطاع المالي السعودي يشتمل على عدد متنوع وكبير من المبادرات التي يشترك في تطويرها وتحقيق أهدافها وتطلعاتها، العديد من الكيانات والهيئات الحكومية، وهو يضم مكتب إدارة البرنامج، الذي يتولى مسؤولية إعداد تقارير ربع سنوية عن الأداء الذي أحرزه البرنامج، ورفعها إلى اللجنة الاستراتيجية والتي بدورها تتولى مهمة إطلاع مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية على تقارير اللجنة التنفيذية لبرنامج تطوير القطاع المالي، ويقوم مكتب البرنامج بالإشراف ومتابعة الأداء بشكل يومي، بالتنسيق مع الإدارات المعنية في الجهات المنفذة لمبادرات البرنامج، كما يعمل المكتب على التنسيق مع المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة لرفع تقاريره حول مؤشرات قياس أداء البرنامج.
وتطبيقاً لذلك، تم وضع حوكمة قوية لضمان نجاح البرنامج، حيث إن قيادته ولجانه التنفيذية ترتبط بهيكل حوكمة قوي يجمع في عضويته جميع الكيانات التنفيذية الرئيسة للبرنامج، بحيث يتولى رئاسة البرنامج رئيس اللجنة الإشرافية وزير المالية، وعضوية شركاء البرنامج: مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما"، وهيئة السوق المالية، وعدد من الوزارات والهيئات الحكومية الأخرى منها، وزارتا التجارة والاستثمار، والاقتصاد والتخطيط، وصندوق الاستثمارات العامة.
وعملت لجان برنامج تطوير القطاع المالي مع مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بمتابعة وتوجيه من ولي العهد على وضع الخطوط الرئيسة والتفصيلات الموضوعية، لتطوير هذا القطاع الحيوي بمشاركة الجهات الحكومية المعنية، لينطلق من قاعدة متينة أساسها خبرة هذه الجهات الكبيرة مجتمعة وعملها المشترك لتحقيق هذا البرنامج، خصوصاً أن لدى المملكة السعودية قدرات متقدمة تمتلكها هذه الجهات المنظمة للقطاع المالي، تم البناء عليها والانطلاق منها لتطوير البرنامج، مستعينين بمعايير قياسية متعددة، حيث تم الاطلاع من خلالها على تجارب دول أخرى، وأفضل الممارسات العالمية في مجال التطوير المالي.
وتم تطوير الخطة التنفيذية بتوجيه من اللجنة الإشرافية للبرنامج التي تضم في عضويتها الجهات الحكومية الفاعلة في القطاع المالي، كما تمت الاستعانة ببعض الخبراء والمستشارين الدوليين، بهدف الاستفادة من خبراتهم خلال دراسة تجارب دولية أخرى، وتم عقد العديد من ورش العمل مع المختصين والمهتمين في هذا المجال خلال مرحلة التخطيط للبرنامج، فيما عمل فريق كبير من الكوادر الوطنية بكفاءة عالية على إدارة خطط العمل ومتابعة التفاصيل اليومية لمراحل تطويره كافة.
وحيال قدرة البرنامج على رفع تصنيف المملكة المالي، أكد المعنيون أن الموضوع يرتبط بجانبين، الأول ينطلق من كون الاستقرار المالي في الاقتصاد السعودي وقوة القطاع المصرفي المحلي تمثل عوامل جاذبة للمصارف الإقليمية والعالمية للدخول إلى السوق، حيث أشار أحمد الخليفي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي عضو اللجنة الإشرافية للبرنامج خلال مشاركته في ملتقى إطلاق البرنامج، إلى أن دخول مصارف إقليمية وعالمية إلى القطاع المصرفي السعودي، مرتبط بمدى قدرة هذه الكيانات على الإيفاء بمتطلبات وشروط تراخيص مزاولة النشاط المصرفي في المملكة، أما الجانب الثاني فيرتبط بالفرص، التي سيفتحها البرنامج أمام القطاع المصرفي خلال سعيه للتغلب على مجموعة من التحديات، ولعل من أبرز التحديات التي تواجه القطاع المالي، الحاجة إلى تحسين مستويات الشمول المالي والتمويل الإنتاجي.
وفي ما يتعلق بالتصنيف الائتماني، يعمل البرنامج بشكل مباشر مع وزارة المالية وبرنامج التوازن المالي، وسيدعم هذا التنسيق المباشر مع كلا الجهتين المؤثرتين جهود الحصول على تصنيف ائتماني أعلى للقطاع المالي المحلي.
خطوات على الطريق الصحيح
على صعيد آخر، سيسهم البرنامج بصورة مباشرة وفعالة في تحجيم مخاطر التستر التجاري، وعلى الرغم من أهدافه الكبيرة لتطوير القطاع المالي على صعيد تعميق أوضاع سوق الأسهم وزيادة الادخار ودعم المشاريع الصغيرة وغيرها، إلا أن الخبراء يؤكدون أهمية البرنامج أيضاً في التصدي لمسألتين بارزتين هما التستر والإسكان، ويعتقد الخبراء أن تحقيق الشمول المالي الذي يعد ركيزة أساسية للبرنامج سيسهم بصورة مباشرة وفعالة في تحجيم مخاطر التستر التجاري، الذي يبلغ 200 مليار ريال سنوياً على أقل تقدير.
ويتطلع الخبراء مع مغادرة أكثر من مليون وافد مخالف لسوق العمل، أن يشهد القطاع تغيُّراً هيكلياً وأن يأخذ الشباب السعودي طريقهم إلى المهن المختلفة، كما كان الوضع في سبعينات القرن الماضي، بهدف الحد من التستر الذي يسود الأسواق بصورة كبيرة، إذ يكتفى غالبية أصحاب المشاريع الصغيرة من السعوديين بتأجير محلاتهم للوافدين مقابل مبالغ مالية شهرية قليلة للغاية، ومن ثم تتحول أرباح هذه المشاريع بالمليارات إلى خارج البلاد، وعلى الرغم من الجهود التى نهضت بها وزارة التجارة خلال الفترة الأخيرة، إلا أن قضايا التستر التي جرى ضبطها كانت بنظر الخبراء محدودة.
أما القضية الثانية التي يستهدفها التطوير في القطاع المالي، فهي دعم ملف الإسكان الذي يشكل حالة ملحّة منذ سنوات، وعلى الرغم من النقلة التي أحدثتها وزارة الإسكان مؤخراً بطرح 300 ألف منتج جديد العام الحالي، إلا أن قضية التمويل ما زالت ضرورية، ومع الهدف الموضوع برفع نسبة الرهون العقارية إلى 16% بحلول العام 2020، يمكن القول إن تمويل البنوك سيشهد زيادة لا يمكن الاستهانة بها، مقارنة مع الفترة السابقة والتي تقدر بـ10 سنوات لم يحدث أثناءها اختراق بهذا الملف.
وعلى الرغم من نصاعة هذا الملف، إلا أن نظام الفائدة المركبة يعصف به، ويرفع كلفة الوحدة 50%، والمؤمل أن يتم تخطي هذا الأمر بدخول صناديق سيادية كضامن للسداد، أو تعديل طريقة احتساب الفائدة لتخفيف العبء عن المواطن.. وهكذا تكون المملكة السعودية قد خطت خطوة أخرى بالغة الأهمية في مسيرة تطوير الاقتصاد، وحققت واحداً من أبرز أهداف التنمية ضمن خطة المملكة 2030، ويعلّق الخبراء كبير الأمل على هذه الخطوات، معلنين كل الثقة بأن اقتصاد المملكة يسير على الطريق الصحيح، وأن النتائج لا بد إلا أن تكون واعدة.