Al Idari Magazine
 
 
   
   









 
   
تحقيق
    
تشمل أكثر من 1000 سلعة وتصل قيمتها إلى 100 مليار دولار
الحرب التجارية بين أميركا والصين
.. توازن رعب وتضارب مصالح
    

سيمون سمعان
ازداد التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة عقب رد بكين على خطط أميركية لفرض جمارك إضافية جديدة على مئات الواردات الصينية، هذه المواقف والمواقف المتقابلة، جعلت الأزمة تأخذ بعداً آخر أكثر حدّة بين البلدين، وقالت الصين إنها ستفرض 25% رسوماً جمركية على 106 أنواع من البضائع، ويأتي هذا الاجراء بعد ساعات فقط من نشر واشنطن قائمة بنحو 1300 منتج صيني تعتزم الإدارة الأميركية فرض جمارك إضافية عليها، تبلغ نسبتها أيضاً 25%، وقال البيت الأبيض إن "مقترحاته كانت رداً على ممارسات صينية غير عادلة بشأن حقوق الملكية الفكرية.
أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤخراً، تعليمات لمسؤولي إدارته للتفكير في إمكانية فرض رسوم جمركية إضافية بقيمة 100 مليار دولار على الصين، في تصعيد جديد للتوتر التجاري بين البلدين، وسيكون هذا بالإضافة إلى 50 مليار دولار من الرسوم التي أعلن عن فرضها على واردات صينية إلى الولايات المتحدة.
صحيح أن الأزمة التجارية بين الصين والولايات المتحدة ليست حديثة النشأة بل هي متوالية منذ سنوات وعقود، لكن من الواضح أنها اتخذت مناح أكثر حدّة منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فالرئيس الأميركي، أعلن صراحة خلال حملته الانتخابية أنه سيغيّر في القواعد التجارية المعتمدة بين بلاده والعديد من الدول في مقدمها الصين، علاوة على التهديد بانسحابه من اتفاقية التجارة الدولية، وأهمية الأمر في أن له جذوراً تعود إلى التنافس بين العملاقين الاقتصادين على المسرح الدولي.

وفيما استهدفت الولايات المتحدة منتجات من بينها أجهزة تلفزيون ودراجات نارية صينية الصنع، تقدر قيمة المنتجات الأميركية التي استهدفتها الرسوم الصينية بـ50 مليار دولار في 2017، بحسب ما ذكرته وزارة التجارة الصينية، ومن بين البضائع الأمريكية التي فرضت عليها الضرائب - بحسب ما قالته وزارة المالية - الكيمياويات، وبعض أنواع الطائرات، ومنتجات الذرة، وسوف تُفرَض رسوم أخرى على الويسكي، والتبغ، وبعض أنواع لحوم البقر، وزيوت التشحيم، وبعض منتجات البلاستيك. كما ستفرض الرسوم الإضافية الجديدة - كما قالت الوزارة - على القطن، وبعض أنواع القمح، والشاحنات، وبعض السيارات الكهربائية.
وكانت بكين قد قالت في وقت سابق إنها "تندد بشدة وتعارض بقوة" الرسوم الأميركية المقترحة، ووصفتها بأنها "حمائية ومن طرف واحد"، متعهدة بالرد عليها، وفي هذا السياق حذّر اقتصاديون في وقت سابق من أن الخطوة التي اتخذتها إدارة الرئيس ترامب لعقاب الصين، قد تؤدي إلى انتقام بكين، وتفضي إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة إلى المستهلكين في الولايات المتحدة، وتوقّع الاقتصاديون أن تؤدي مثل هذه الخطوات والرد عليها إلى خروج الفريقين من المنازلة خاسرين.
هل التحقيق هو السبب؟
طلبت الإدارة الأميركية من مختصين إجراء تحقيق في ممارسات الصين بشأن موضوع حقوق الملكية الفكرية، وفي ما بعد كشف البيت الأبيض أن التحقيق توصل إلى وجود أدلة على مخالفات وممارسات غير قانونية، تضغط بها الصين على شركات أميركية لمشاركة التكنولوجيا لديها مع الشركات الصينية، من هنا جاء القرار بفرض الرسوم الأميركية المقترحة بعد الإطلاع على نتائج التحقيق.
ونفّذ ترامب تهديداته بفرض جمارك على واردات الصلب والألمنيوم من الصين، قائلاً إن هذه الخطوة ستعزز الصناعة الأميركية بعدما واجهت الولايات المتحدة "ممارسات تجارية غير عادلة" لكن رد بيكين لم يتأخر، وقال وزير التجارة الصيني جونغ شان، إنَّ اندلاع حرب تجارية مع الولايات المتحدة ستكون له نتائج فادحة على اقتصاد البلدين والعالم، واعتبر أن ليس هناك منتصر في حرب تجارية، بل إنها ستجلب الكوارث للصين والولايات المتحدة والعالم، وأضاف أن الصين لا تريد حرباً تجارية ولن تكون المبادِرة لإشعالها، لكنه شدد على أن بلاده قادرة على مواجهة أية تحديات لحماية مصالحها.
ولم يقتصر قرار ترامب على الصين وحدها بل شمل دولاً عديدة، مستثنياً المكسيك وكندا من الجمارك على صادراتهما من الصلب والألمنيوم إلى الولايات المتحدة، وأفادت تقارير بأن قطاع المعادن في الصين دعا الحكومة إلى استهداف قطاع الفحم الحجري في الولايات المتحدة، حيث تتركز قاعدة ترامب السياسية، ويأتي قرار الإدارة الأميركية في وقت أن الولايات المتحدة هي أكبر مستورد للفولاذ في العالم، حيث استوردت 35 مليون طن في العام 2017، وكان مصدر 6 ملايين طن من هذه المشتريات الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند.
ولكن على الرغم من ذلك فإن المفاوضات لم تنقطع بين البلدين، وقال مكتب الممثل التجاري الأميركي، الذي يتولى المفاوضات التجارية، إن الرسوم ستفرض على واردات صينية تساوي قيمتها الضرر الذي تعرض له الاقتصاد الأميركي، وأنه يستهدف أيضاً منع اتخاذ بكين أي إجراء أو سياسات أو ممارسات ضارة، وتشمل قائمة الرسوم أجزاء من الأقمار الاصطناعية للاتصالات، وأشباه الموصلات في الأجهزة الإلكترونية، وأجهزة الملاحة، والآلات المستخدمة في مصانع الجعة، ومن المقرر أن تصدر الولايات المتحدة قائمة نهائية عقب انتهاء فترة النقاش العامة والمراجعة، في وقت ليس ببعيد.
انتقادات وتحذيرات
لكن الإجراءات الأميركية، كما غيرها العديد من القرارات الرئاسية، لم تمر من غير انتقادات، ومؤخراً انضم صندوق النقد الدولي لموجة الانتقادات الموجهة لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية على واردات بلاده من الصلب والألمنيوم، وحذر صندوق النقد من أن هذه الخطوة ستضر بالولايات المتحدة، كما ستضر بالدول الأخرى، وأن هناك دولاً أخرى ربما تحذو حذو ترامب، وتدّعي ضرورة فرض قيود تجارية صارمة، بجحة الدفاع عن أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
وكندا المعتبرة أكبر مصدّر للصلب إلى الولايات المتحدة، وواحدة من دول عديدة أعلنت أنها ستدرس اتخاذ اجراءات مماثلة بوجه الإجراءات الأميركية، إذا ما مضى الرئيس ترامب في خطته، قالت إن هذه الرسوم ستسبب ارتباكاً على جانبي الحدود بين البلدين، أعلنت كل من كندا والمكسيك والصين واليابان والبرازيل أنها تدرس اتخاذ إجراءات مماثلة، رداً على هذه الخطوة، وانتقد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو التعريفات ووصفها بأنها "غير مقبولة بالمرة" وقال، إنه واثق من قدرة حكومته على الدفاع عن الصناعة الكندية، كذلك أعلن مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أنهم يدرسون فرض تعريفات جمركية، بنسبة 25% على واردات الاتحاد من الولايات المتحدة، التي تقدر بنحو 3.5 مليارات دولار.
وفيما اعتبر ترامب أن "الحروب التجارية شيء جيد"، اعتبر المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، روبرتو أزيفيدو "أن الحرب التجارية ليست من مصلحة أي طرف".. ويرى منتقدون أن هذه التعريفات ستفشل في حماية الوظائف الأميركية، وستؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين، وربما يؤكد ذلك موقف العديد من الشركات الأميركية التي عبّرت عن انزعاجها من التعريفات، بما فيها شركات تصنيع الجعة، التي تستخدم الألمنيوم في تصنيع عبوات المشروبات.
لكن التبرير المقابل يستند إلى واقع أن صناعة الصلب الأميركية شهدت انخفاضاً في الإنتاج، من 112 مليون طن في العام 2000، إلى 86.5 مليون طن في العام 2016، كما انخفض عدد العاملين في هذا القطاع خلال الفترة نفسها، من 135 ألف عامل إلى 83600 عامل، إنما الجدير بالذكر أن 6.5 ملايين أميركي يعملون في مصانع أخرى، تنتج سلعاً تستند إلى استخدام الصلب.
بدايات النزاع وتطوراته
في بداية العام الحالي أعلنت الولايات المتحدة عن نيتها فرض رسوم وضرائب قيمتها 25% على واردات الفولاذ و10% على الألمنيوم، بما فيها الفولاذ والألمنيوم المستورد من الصين، وردت الصين خلال آذار (مارس) الماضي بفرض رسوم على سلع أميركية بقيمة 3 مليارات دولار، بينها لحم الخنزير والنبيذ، وقالت الصين إن الخطوة جاءت لحماية مصالحها وتعويض الخسائر الناتجة عن الرسوم الأميركية.
بدورها أعادت الولايات المتحدة الكرة إلى الملعب الصيني بإعلان نيتها فرض رسوم بقيمة 50 مليار دولار على منتجات صينية، وأنحت باللائمة على سياسات الصين لا سيما إجبار الشركات الأميركية على مشاركة التكنولوجيا التي تستخدمها مع شركات صينية، وهذا ما اعتبرت الإدارة الأميركية أنه يؤدي إلى "سرقة حقوق الملكية الفكرية" ولفتت إلى أن واشنطن قد تجاهلت لسنوات "الممارسات التجارية الصينية غيرالمشروعة" التي أدت إلى تدمير آلاف المصانع وفقدان ملايين فرص العمل في السوق الأميركي.
وكان كُشِف النقاب مؤخراً عن مسودة تفاصيل الخطة القاضية بفرض رسوم أميركية بقيمة 50-60 مليار دولار، حيث حددت واشنطن المنتجات الصينية التي يشملها فرض الرسوم أو رفعها، ولائحة الردود الصينية على القرار، والتي وصفها ترامب بأنها غير عادلة، ولم يقتصر الأمر على التجاذب الأميركي الصيني بل إن إعلان ترامب الأخير أثار ردود فعل غير ودية من رفاقه في الحزب الجمهوري، والذين حذروا أن هذه الإجراءات ستؤذي الأميركيين وتكلفهم فرص عمل، لا العكس.
ومن الأمثلة على التأثير المحتمل للرسوم على المزارعين الأميركيين أن الصين تستورد 60% من مجمل الإنتاج الأميركي لفول الصويا، وتستخدمه في إطعام الحيوانات، وسيتأثر حجم هذا التعاون في حال فرض الحكومة الصينية رسوما على الصويا، كذلك طالبت سلاسل متاجر كبرى مثل وولمارت وتارغت، ترامب بالتفكير بعناية بتأثير فرض الرسوم على أسعار السلع والعائلات الأميركية.
وفي هذه الأثناء، ووفقاً للقانون الأميركي ستخضع الإجراءات الأميركية المقترحة للدراسة والفحص وإجراءات كثيرة، علماً أن الصين كانت تقدمت بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية، ودعت المنظمة الدول الأعضاء للتشاور، وهذا يعني أن أي قرار لاتخاذ خطوات عملية لن يصدر قبل مضي أشهر، لكن تأثيرات القرار تبقى ماثلة حتى قبل تطبيقه، منها أن الذهب ارتفع في التعاملات التالية له، بالتزامن مع هبوط الدولار الذي تأثر بحدة التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.
ونظراً للتأثير السلبي لمثل هذه القرارات على التجارة الدولية كما على الجانبين المعنيين مباشرة بها، حثت جماعات أعمال أميركية كلاً من واشنطن وبكين على حل القضية عن طريق المفاوضات، معبرة عن مخاوفها من أن الرسوم التهديدية قد تؤدي إلى خلاف سيكون ضارا خصوصا بالاقتصاد الأميركي.

"أبل" على خط التوتر الاقتصادي بين واشنطن وبكين
دخلت شركة "أبل" الأميركية على خط التوتر الاقتصادي الناشئ بين الولايات المتحدة والصين، وطالب تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة "أبل"، في آذار (مارس) الماضي، أن يسود الهدوء "على أعلى المستويات"، وسط اشتداد التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة"، وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إثر إعلانه عن إجراءات جديدة لفرض قيود تجارية على الصين، طلب من الممثل التجاري للولايات المتحدة، في فترة مدتها 15 يوماً، تقديم قائمة بالسلع الصينية التي تشملها زيادة القيمة الضريبية والبدء بتقديم دعوى ضد الصين في منظمة التجارة العالمية، بشأن انتهاكات مزعومة في مجال الترخيص، وأشار ترامب إلى أن الضرر المحتمل، الذي يمكن أن تواجهه الصين، من إدخال رسوم على استيراد المنتجات إلى الولايات المتحدة، يمكن أن يصل إلى 60 مليار دولار.
وفي السياق أعلن نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، ليو خه، خلال محادثة هاتفية مع وزير الخزانة الأميركي، ستيفن مينوشين، عن استعداد بكين للدفاع عن مصالحها التجارية المهددة من قبل واشنطن.