Al Idari Magazine
 
   
   









 
   
شركات
    
تنفق مليارات اليوروهات لتمويل برامج الابتكار
أوروبا وريادة الأعمال..
جهود لاستعادة المبادرة
    

قال وزير المالية الفرنسي برونو لومير إن فرنسا ستبيع حصصاً تملكها في شركات قيمتها حوالى 10 مليارات يورو (11,34 مليار دولار) لتمويل برنامج الابتكار، وكانت المفوضية الأوروبية أعلنت عن نتائج المرحلة الأولى من دراسة الطلبات التي تقدمت بها الشركات الأوروبية وتتضمن مقترحات للاستفادة من برنامج تمويل قدره 3 مليارات يورو كمرحلة أولى، في إطار ما يعرف بـ"أفق 2020" وهو برنامج قيمته 80 مليار يورو لمدة سبع سنوات، وسوف تساعد المخصصات المالية في المرحلة الأولى الشركات الصغرى والمتوسطة على تنفيذ أفكار ومقترحات في إطار الابتكارات لتحسين المنتجات وتوسيع الأسواق.

نظراً لأهمية الابتكار في تمتين مستقبل الشركات وتحسين مستوى المنتجات، يُنفق العالم مئات مليارات الدولارات لتحفيز الشركات على الابتكار، وثمّة من الاقتصاديين من يؤكد أن هذا الاستثمار هو الأجدى إن أرادت الشركات خوض غمار المنافسة المضمونة النتائج في سوق عالمية تشتد فيها المزاحمة وتتطور ابتكاراتها في شكل مستمر وبوتيرة مزدادة تسارعاً، وفي هذا الإطار تحاول أوروبا، مهد الثورة الصناعية العالمية، أن تستعيد المبادرة وتحقق النقلة النوعية المطلوبة.
وتحقيقاً لذلك، أعلنت المفوضية الأوروبية في كانون الثاني (يناير) الماضي، عن إطلاق مبادرة "أفق 2020" للبحوث والابتكار، وقالت ماري جيهجان كوين مفوضة شؤون الأبحاث والابتكار والعلوم إن "أفق 2020" هو مبادرة جديدة تتضمن برنامجا لمدة سبع سنوات يوفر الكثير من الفرص للباحثين والمبتكرين في أوروبا، وتسعى المبادرة إلى تسليط الضوء على الفرص الأكثر إثارة التي يوفرها هذا البرنامج، الذي ينص على استثمار 80 مليار يورو خلال السنوات السبع المقبلة.
برامج تمويل وتحفيز
في إطار برنامج تمويل "أفق 2020" لتحفيز الابتكار في الشركات ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، تقدمت في المرحلة الأولى 2,666 شركة وجرى اختيار 155 شركة من 21 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد، لتستفيد من برنامج التمويل في مرحلته الأولى، أما أبرز المقترحات التي وصلت إلى دوائر المفوضية فكانت من إسبانيا وبلغ عددها 39 شركة وتلتها بريطانيا وإيطاليا وسوف تحصل كل شركة على 50 ألف يورو لتمويل دراسات الجدوى لتطوير استراتيجية الابتكار.
ومؤخر أطلقت المفوضية بالتعاون مع مجموعة البنك الأوروبي للاستثمار، حزمة جديدة من الأدوات المالية والخدمات الاستثمارية لمساعدة الشركات في مجال البحوث والابتكار بتمويل أكثر سهولة خلال السنوات السبع المقبلة، وستخصص الأدوات المالية لتمويل البحوث والابتكار بقيمة 24 مليار يورو تمنح للشركات الصغرى والمتوسطة والكبيرة، وأيضا للبنى التحتية البحثية، ويقدّر أن يصل إجمالي الدعم المالي إلى 48 مليار يورو، بعد تمويل الاستثمارات في البحوث والابتكارات.
يرى الاقتصاديون أن توفير الأدوات المالية للاستثمار في مجال البحوث والابتكار أمر يساهم في تعزيز النمو ويمنع تخلف الاتحاد الأوروبي عن المنافسين العالميين في مجال الاستثمار بالأعمال التجارية للابتكارات، ويشدد هؤلاء أنه لا بد من تشجيع البنوك على إقراض الشركات ومساعدتها للحصول على تمويل المشاريع المكثفة مما يساعد في النهاية على تحقيق هدف الاتحاد الأوروبي، وهو تخصيص 3% من إجمالي الناتج المحلي العام في البحث والتطوير بحلول العام 2020.
بموجب البرنامج الذي يعمل عليه الاتحاد، لن يتم تمويل البحوث الأساسية فقط، ولكن أيضاً البحوث التطبيقية والابتكار ليصل في الشركات الصغيرة والكبيرة إلى الهدف المنشود، وهو يتمثل في تحقيق النمو وخلق فرص العمل التي تمس الحاجة إليها منذ أكثر من عقد من الزمن، ويُنتظر أن يتسع الهامش السلبي بين العرض والطلب على الوظائف في المستقبل ما يرفع نسبة البطالة ويُضعف النمو الضعيف أصلاً.
.. ولكن على ماذا يقوم هذا البرنامج وأمثاله من برامج التحفيز على الابتكار؟
البحث عن حلول وعلماء
تتمثّل أهم المحاور لتشغيل البرنامج الأوروبي الجديد في التبسيط والتماسك، فالتبسيط يسهّل الأمر على العلماء ورجال الأعمال للحصول على تمويل الاتحاد الأوروبي، ويختصر الإجراءات الإدارية ما يمنح المتسع الأكبر من الوقت للبحوث والابتكار، كما أن التبسيط ينطبق على جميع مراحل البرنامج الجديد الذي يتضمن قواعد تطبق في كل الأماكن، مما يسهل التطبيق والمشاركة في المشاريع، وقد عمل القيمون على البرنامج على إعادة تصميم هندسته ليكون أكثر تماسكاً، كما جرى جمع كل عمليات تمويل البحوث والابتكار في الاتحاد الأوروبي تحت سقف واحد مما يسهل عملية الدعم والمتابعة.
لكن هذا الأمر لن يسير من دون عقبات أو تحديات منها أمن الطاقة والصحة ووسائل النقل النظيفة والأمن العام وغيرها من القضايا التي لا يمكن حلها من خلال حقل واحد من العلوم والتكنولوجيا أو في موقع واحد أو في دولة واحدة، وإنما تحتاج إلى حلول تعتمد على كثير من مجالات البحث والابتكار، وهذا هو السبب في تعدد التخصصات الذي ينص عليه البرنامج.
ويعوّل الاتحاد الأوروبي على علمائه لإنتاج البحوث الممتازة التي من شأنها أن تؤدي إلى إيجاد حلول للتحديات المجتمعية ودعم الجهود المبذولة من أجل الابتكار والقدرة التنافسية، بالتوازي مع ذلك تعمل دوائر المفوضية الأوروبية على تأمين المزيد من المال للأنشطة التجريبية لتعزيز روح المبادرة، والتعاون في مجالات مثل الشراكات العامة والخاصة في الأدوية المبتكرة والطيران والإلكترونيات ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومحاربة الأمراض المرتبطة بالفقر والشيخوخة السكانية، إلى جانب الخدمات الطبية والأغذية الزراعية والبيئة والمعلومات والاتصالات وصناعة التكنولوجيا النظيفة والإلكترونيات الدقيقة ووضع استراتيجيات للتخصص الذكي ودعم الشركات الصغيرة لما لها من تأثير على هذا الصعيد، لا سيما بعد تنامي الدور الحيوي الذي تؤديه في الاقتصاد العالمي.
تشجيع ريادة الأعمال
تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة 99% من مجموع الأعمال التجارية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية واليابان، وتولّد أكثر من 65% من فرص العمل في كل من هذه المناطق، لكن أهميتها تبرز أكثر في الاتحاد الأوروبي حيث تصل نسبة توليد فرص العمل إلى 85%، كما تشكل مصدراً قيّماً للمهارات والابتكارات، ومن الواضح أن الطاقات الإبداعية والقدرات الريادية متاحة بشكل وفير في العالم، وخصوصاً في دول الاتحاد، وهذا ما دفع المفوضية إلى اعتماد وتمويل برامج دعم الابتكار في الشركات كخطوة استراتيجية لدعم الاقتصاد.
واليوم يجري العمل على كيفية تطوير الشركات الناشئة لترتقي إلى مستوى الشركات الصغيرة والمتوسطة، والإفادة منها في مجال خلق المزيد من الوظائف الجديدة، ودعم المزيد من الابتكارات، وتعتبر الشركات الصغيرة والمتوسطة مركزاً لصقل المهارات الفنية والإنتاجية والتسويقية، كما تعتبر مركزاً للإبداع والابتكار، ويشير بعض الدراسات إلى أن هذا النوع من الشركات يتفوق على الشركات الكبيرة في هذا المجال، مؤكداً أن نسبة براءات الاختراع في الأعمال الصغيرة تبلغ ضعف ما هي عليه في الشركات الكبرى.
ففي تقريره الصادر العام الماضي بعنوان "نشاط وتنافسية العاملين في ريادة الأعمال في أوروبا" ذكر المنتدى الاقتصادي العالمي أن السمة الرئيسية التي تتميز بها الثورة الصناعية الرابعة هي لا مركزية الابتكار، فتاريخياً، جاء الابتكار من المختبرات الحديثة للشركات أو من المؤسسات التعليمية، أما الآن، فمن المرجح أن يأتي من مرآب لتصليح السيارات في ضاحية المدينة (في إشارة إلى تأسيس شركة أبل على يد الراحل ستيف جوبز)، أو من شقة ضيقة أو من غرفة في سكن طلاب، هذه الموجة الجديدة من الابتكار والإبداع تأخذ زخمها من رواد الأعمال، طليعة التفكير الابتكاري في الاقتصاد الجديد، وعليه فإن تعزيز روح المبادرة يؤتي ثماراً في مختلف القطاعات ويسمح بخلق أفكار جديدة، وبث روح النشاط في الاقتصاد العالمي برمّته.
ويعتبر القيّمون على مسائل الابتكار والتطوير في أوروبا، أن ريادة الأعمال هي المحرك الرئيسي للثورة الصناعية الرابعة، وهي السبب في شراكة المنتدى الاقتصادي العالمي مع المرصد العالمي لريادة الأعمال (GEM) للعمل على هذا التقرير لرصد دور ريادة الأعمال في الاتحاد الأوروبي المعتبر واحداً من المحركات الاقتصادية الهامة في العالم.
مساعٍ وجهود وإصلاحات
أظهرت نتائج تقرير "تعزيز طموح وابتكار ريادة الأعمال" الذي أصدره المنتدى الإقتصادي العالمي العام الماضي تباطؤ نمو ريادة الأعمال في أوروبا من ناحية الأعمال الناشئة (أي الأعمال القائمة على أفكارٍ جديدة) ومع ذلك، فإن الأعمال الناشئة لا تُظهر إلا نصف الحقيقة بخصوص ريادة الأعمال في القارة العجوز، فهذا المجال يشمل قيام العاملين بصياغة وتنفيذ أفكار جديدة داخل المنظمات بدلاً من البدء بأعمالهم الخاصة، وذلك لأن أوروبا لا تفتقر لرواد الأعمال وإنما المسألة أن العديد منهم اختار الابتكار داخل منظمات كبيرة، وهذا ما جعل اقتصادات الدنمارك والسويد وبريطانيا مثلاً تحافظ على حيويتها على الرغم من انخفاض مستويات الأعمال الناشئة فيها.
ويعتمد التقرير على بيانات مؤشر التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إضافة إلى بيانات المرصد العالمي لريادة الأعمال (GEM) لتحليل الارتباط بين القدرة التنافسية لاقتصادات الدول الأوروبية وأنواع ريادة الأعمال البارزة، كما يسلط الضوء على أنشطة ريادة الأعمال، وكيف غيرت الصورة العامة عن ريادة الأعمال في أوروبا، وقد أظهرت البيانات أن العديد من الاقتصادات الأوروبية لا تفتقر إلى الأنشطة الريادية، ولكن نظراً إلى المخاطر والفرص القائمة في الاقتصادات الأوروبية، فإن رواد الأعمال الأفراد في أوروبا يختارون العمل على منتجات جديدة وهم يعملون في شركات أو منظمات، بدلاً من البدء في مشاريعهم الخاصة.
الأمر الآخر المهم الذي تلحظه، بل تركز عليه التقارير هو التحوّل الحاصل في ريادة الأعمال نحو ما يسمى: "النشاط الريادي للموظف" وهو في أي حال ليس ظاهرة واسعة الانتشار، إذ تُظهِر عينة الدراسة أن 4% فقط من السكان ضمن سن العمل ينخرطون في هذا النشاط، ويُقصَد بـ "النشاط الريادي للموظف"، نسبة السكان ضمن سن العمل (18 – 64 سنة) الذين يشاركون بفعالية ويلعبون دوراً ريادياً في تطوير فكرة، أو إعداد وتنفيذ نشاط جديد لصاحب العمل كتطوير وإطلاق منتجات وخدمات جديدة أو إنشاء وحدة أعمال جديدة أو فرعية.
الجدير ذكره أن انتشار هذا النوع من الأنشطة يختلف بين بلد وآخر، ما بين 0% و 10%، إلا أن هذا لا يجعل من أوروبا قائدة العالم في ريادة الأعمال، إذ إن دولاً عديدة حول العالم لديها معدلات أعلى من الأعمال الناشئة، وعلى الرغم من ذلك، يساعد النشاط الريادي للموظف بعض الاقتصادات الأوروبية في تضييق الفجوة مع الدول الأخرى، ويميل هذا النوع من الأنشطة إلى تقديم أعمال ذات جودة عالية تزيد من فرص النمو، وهذا ما يفسر سبب بقاء أوروبا منطقة منافسة، على الرغم من انخفاض معدلات الأعمال الناشئة فيها.
هذا الأمر بالتحديد، يرى الإقتصاديون أنه كان الدافع الأساس وراء أن تُقدِم فرنسا على بيع حصص تملكها في شركات قيمتها حوالى 10 مليارات يورو (11,34 مليار دولار) لتمويل برنامج الابتكار، وهو ما حدا بدول أوروبية أخرى لتشجيع الإبتكار. فيما توّجت ذلك المفوضية الأوروبية بالتشديد دوما على تطوير الأعمال الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الابتكار والريادة والدفع دوماً باتجاه خلق فرص عمل جديدة بهدف استعادة الريادة لأوروبا بعد أن أخذت منها هذا الدور مناطق عديدة حول العالم، فهل تنجح أوروبا في ذلك أم أنه فات الأوان ؟ يؤكد العديد من الإقتصاديين في الإجابة عن هذا التساؤل، أن مسألة الابتكار لا حدود لها ولا أوان يحدها، المهم هو المبادرة..